أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

533

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

314 - ومحال أن يراه ويشهد معه سواه . قلت : لأن ثبوت السوى حجاب ، فلا يصح الشهود حتى يزول كل موجود ولا يبقى إلا واجب الوجود ، ويرى ما سواه كأنه ظلال أو خيال عند التحقيق مفقود . فإن قلت : إذا كان السوى مفقودا فلم قال عليه السلام في تفسير الإحسان « أن تعبد اللّه كأنك تراه » . وقال لمعاذ : « اعبد اللّه كأنك تراه » ، فأتى بكاف التشبيه إذا كانت الرؤيا حاصلة فكيف يشبهه عليه السلام بمن يرى ؟ فالجواب : أنه عليه السلام في محل التشريع والتحقيق ، وهذا الحديث وقع في محفل كبير فيه من هو من أهل المراقبة ، وفيه من هو من أهل المشاهدة ، فأتى بكلام يقبله الخاص والعام ، فالكل مخاطب بإتقان العبادة كأنه يشاهد ، فمنهم من بلغ ذلك ذوقا ، ومنهم من يكون منه ذلك مجاهدة . وأيضا شهود أنوار الملكوت سر من أسرار الربوبية لا تفشى لغير أهلها ، ولو قال عليه السلام أن تعبد اللّه لأنك تراه أي : ترى أنوار جبروته متدفقة لرياض ملكوته لكان فيه إفشاء لسر الربوبية ولا يفهمه إلا الخواص ، وقد قال عليه السلام : « خاطبوا الناس بقدر ما يفهمون « 1 » » . فأتى بكلام موجه يقبله أهل الظاهر وأهل الباطن ، فأهل الظاهر يتركون الكاف على بابها ، وأهل الباطن يجعلونها بمعنى اللام ، لأن رؤية البصيرة عندهم في معد العيان لأن البصر إذا فتحت البصيرة غلبت عليه ولم يبق له حكم أصلا . وأيضا الرؤية إذا أطلقت إنما تنصرف للبصر ، فلو لم يأت بالتشبيه لتوهم أن اللّه تعالى يرى بالبصر

--> ( 1 ) رواه العقيلي في الضعفاء ( 4 / 425 ) ، وذكره الحافظ في اللسان ( 6 / 274 ) ، والمناوي في الفيض ( 3 / 378 ) ، بلفظ : خاطبوا - أو - كلموا الناس على قدر عقولهم ، وقال ابن القيم : أحاديث العقل كلها كذب كما في المنار المنيف ( ص 60 ) ، ونقد المنقول ( ص 66 ) . قلت : هذا مسلم به من ناحية الإسناد عند الحفاظ ، أما من ناحية المحققين من أهل الكشف فما ذكر منها كحديثنا هذا في كلامهم وكتبهم فهو مما قد صح بالكشف عندهم فكلهم من رسول اللّه ملتمس .